السيد محمد محسن الطهراني
208
أسرار الملكوت
وبدلًا من ذكرهم بالمدح والثناء في الدنيا يُذكرون بالقدح والشقاء ، وأمّا في تلك الدار فسوف يُسألون عن أعمالهم وأفعالهم السيّئة ، وعليهم أن يهيّئوا لها جواباً . ولعمري ، إنّ الزمان الفاصل بينكم وبينهم ليس كبيراً ، وليس بينكم وبينهم أجيال كثيرة ، كما أنّه ليس بين يومكم هذا وبين يوم كنتم في أصلابهم فصل كبير . ووالله إنّ كلّ ما بيّنه رسوله لهم في ذلك اليوم أبيّنه اليوم لكم ، وإنّ قدرتكم على السمع والفهم لا تختلف عن قدرتهم على ذلك في زمان رسول الله ، فكلاكما تسترفدان من مصدر واحد وواهب واحد ، لم يفتح الله عيونهم إلّا بمقدار ما فتحها لكم ، ولم يعرّف قلوبهم ويغذّيها بالإدراك والمعارف إلّا بمقدار ما أعطاكم . والله لم تعثروا على شيء كانوا عنه غافلين أو جاهلين ولم تُخصّصوا بشيء كانوا منه محرومين . لقد حطّت الفتنة رحالها عندكم وربطتكم بعقالها ، فهي تميل بكم أينما تريد ، فحالها كحال الإبل رخوة البطان ( التي لم يحكم شدّ حزامها ) لا يُتمكّن من ظهرها والركوب عليها . فانتبهوا وابتعدوا عمّا ابتلي به أهل الغرور والطمع والأنانية ، واتقوا ولا تنخدعوا كما انخدعوا هم ، فالدنيا كالظلّ المتّسع والممتدّ إلى الزمان الذي عُيّن للرحيل إلى الآخرة . يبيّن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة بشكل دقيق نقاط القوّة والضعف عند الناس في علاقتهم بالأمور التربويّة والتكامليّة . فمن جهة يرون أنّ الحقّ واضح للجميع وجليّ بتمام خصوصيّاته وتجلياته وبراهينه ، وكلّ ما ذكره رسول الله من حقّ وتبيين رشد الناس وصلاح أمورهم ، فقد بيّنه أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة من بعده ، ولم يعد أيّ أمر مخفيّاً في هذا المجال ولم يبق أيّ عذر لأحد . ومن جهة أخرى نرى أنّ كيفيّة التسليم والانقياد للحقّ عند جميع الناس